نيويورك/بروكسل – في ظل تسارع الأحداث الدراماتيكية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، انطلقت قبل قليل أعمال الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، بالتزامن مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن استنفار دبلوماسي عاجل. وتأتي هذه التحركات المكثفة في محاولة دولية حثيثة لاحتواء نذر الحرب الشاملة التي باتت تلوح في الأفق عقب سلسلة الضربات العسكرية المتبادلة وغير المسبوقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
استنفار أوروبي وتنسيق للمواقف
وفي سياق التحركات الدبلوماسية، أعلنت كايا كالاس، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، أن وزراء خارجية دول التكتل سيعقدون اليوم (الأحد) اجتماعاً طارئاً عبر تقنية الفيديو. ويهدف هذا الاجتماع العاجل إلى توحيد الصف الأوروبي وتنسيق المواقف تجاه التطورات المتسارعة في الملف الإيراني، خاصة في أعقاب الغارات الجوية العنيفة والهجمات الانتقامية التي هزت استقرار المنطقة خلال الساعات الماضية.
وكتبت كالاس عبر حسابها الرسمي على منصة «إكس» محذرة بلهجة شديدة من خطورة الموقف الراهن: "إن الهجمات العشوائية التي يشنها النظام الإيراني على جيرانه تنطوي على مخاطر حقيقية بجر المنطقة بأسرها إلى حرب أوسع نطاقاً لا يمكن التنبؤ بنتائجها أو مداها". وشددت المسؤولة الأوروبية على ضرورة أن يتخذ النظام الإيراني قرارات مسؤولة وفورية لوقف هذا التدهور، مؤكدة أن الأولوية القصوى للمجتمع الدولي الآن هي منع توسع نطاق الحرب وتجنيب المدنيين ويلات صراع جديد.
إدانة للتصعيد ومخاوف نووية
من جانبه، وصف رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، الضربات الأخيرة بأنها "تصعيد خطير" يضيف تعقيداً جديداً للمشهد العسكري المضطرب في الشرق الأوسط. وأعرب كوستا عن تضامن الاتحاد الأوروبي الكامل مع الدول التي تعرضت للهجمات الصاروخية، مرحباً في الوقت ذاته بانعقاد مجلس الأمن الدولي بشكل طارئ كخطوة ضرورية.
كما استغل كوستا الفرصة لتجديد الدعوة إلى ضرورة ضمان عدم امتلاك طهران لأي سلاح نووي، معتبراً أن هذا المطلب يمثل ركيزة أساسية للأمن العالمي، خاصة في ظل السلوك الإيراني الحالي الذي يثير قلق العواصم الغربية.
السياق التاريخي: صراع الظل يخرج للعلن
وتأتي هذه التطورات تتويجاً لسنوات من "حرب الظل" بين طهران وخصومها، والتي كانت تدور رحاها غالباً عبر وكلاء إقليميين أو هجمات سيبرانية وعمليات استخباراتية محدودة. إلا أن التحول الأخير نحو المواجهة المباشرة والقصف المتبادل يمثل تغيراً استراتيجياً خطيراً في قواعد الاشتباك، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة قد تعيد رسم الخرائط الجيوسياسية.
مجلس الأمن واختبار الدبلوماسية الصعب
وتكتسب جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة حالياً أهمية استثنائية نظراً لحساسية التوقيت؛ حيث يواجه المجتمع الدولي تحدياً كبيراً في فرض التهدئة. ويأتي هذا الاجتماع في ظل انقسام دولي معتاد بين القوى العظمى، إلا أن خطورة الموقف الحالي وتهديده للسلم والأمن الدوليين قد تدفع الدول الأعضاء للبحث عن صيغة توافقية تمنع خروج الأمور عن السيطرة. وتخشى الأمم المتحدة من أن يؤدي استمرار القصف المتبادل إلى "أخطاء حسابية" عسكرية قد تشعل فتيل مواجهة مباشرة وطويلة الأمد يصعب إطفاؤها.
تداعيات اقتصادية وإنسانية عالمية
ويرى مراقبون ومحللون استراتيجيون أن استمرار هذا التصعيد لا يهدد الأمن الإقليمي فحسب، بل يلقي بظلاله القاتمة على الاقتصاد العالمي الهش. فمنطقة الخليج العربي ومضيق هرمز تعد شرياناً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر عبرها جزء كبير من استهلاك العالم من النفط. وأي اضطراب عسكري واسع النطاق أو تهديد للملاحة قد يؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية ومعدلات التضخم في مختلف دول العالم.
علاوة على ذلك، فإن توسع دائرة الصراع قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة ويزيد من تعقيد الأزمات الإنسانية في دول الجوار التي تعاني أصلاً من هشاشة في البنية التحتية والاستقرار السياسي، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات إنسانية جسيمة.
وتتجه الأنظار الآن إلى مخرجات الاجتماع الأوروبي وجلسة مجلس الأمن، وسط آمال ضئيلة ولكنها ضرورية بأن تنجح الجهود الدبلوماسية المكثفة في نزع فتيل الأزمة قبل فوات الأوان.


